عمر فروخ
186
تاريخ الأدب العربي
( فمن ذلك ) التجنيس والحشو . أمّا التجنيس ، فانّك لا تستحسن تجانس اللفظتين إلّا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعا حميدا ، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيدا . أتراك استضعفت تجنيس أبي تمّام في قوله : ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت * فيه الظنون : أمذهب أم مذهب ؟ واستحسنت تجنيس المحدث « 1 » : ناظراه في ما جنى ناظراه * أو دعاني أمت بما أو دعاني ! لأمر يرجع إلى اللفظ أم لأنّك رأيت الفائدة ضعفت ( في ) الأوّل وقويت في الثاني ؟ . . . . . فقد تبيّن لك أنّ ما يعطي التجنيس من الفضيلة أمر لا يتمّ إلّا بنصرة المعنى ؛ إذ لو كان باللفظ وحده لما كان فيه مستحسن ، ولمّا وجد فيه إلّا معيب مستهجن . ولذلك ذمّ الإكثار منه والولوع به . وقد تجد في المتأخّرين الآن « 2 » كلاما حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ما له اسم في البديع إلى أن ينسى أنّه يتكلّم ليفهم ويقول ليبين « 3 » ؛ ويخيّل إليه أنّه إذا جمع بين أقسام البديع في بيت فلا ضير « 4 » أن يقع ما عناه في عمياء ، وأن يوقع السامع من طلبه في خبط عشواء « 5 » . وربّما طمس - بكثرة ما يتكلّفه - على المعنى وأفسده ، كمن ثقّل العروس بأصناف الحليّ حتّى ينالها من ذلك مكروه في نفسها . . . . . . . واعلم أنّ غرضي في هذا الكلام الذي ابتدأته والأساس الذي وضعته أن أتوصّل إلى بيان أمر المعاني كيف تتّفق وتختلف ، ومن أين تجتمع وتفترق ، وأفصّل أجناسها وأنواعها ، وأتتبّع خاصها ومشاعها ، وأبيّن أحوالها في كرم
--> ( 1 ) ناظراه : ( فعل أمر للمثنى من ناظر : جادل ) . ناظراه : عيناه . أو دعاني ( لفظتان ) ، دعاني : أتركاني . أودعاني ( لفظة واحدة : فعل ماض للمثنى الغائب مع ضمير متصل هو فاعل ثم نون الوقاية ثم ضمير آخر متصل هو مفعول به ) : ضعا في . ( 2 ) في زمن عبد القاهر الجرجاني ( القرن الخامس الهجري - الحادي عشر الميلادي ) . ( 3 ) يبين : يفصح ، يوضح . ( 4 ) لا ضير : لا ضرر . ( 5 ) أن يقع ما عناه في عمياء : أن يكون المعنى الذي قصده الكاتب غامضا على السامع . ان يوقع السامع من طلبه ( طلب ما عناه الكاتب ) في خبط عشواء ( في تخيل عدد من المعاني من غير أن يهتدي إلى المعنى المقصود ) .